الشيخ محمد رضا النعماني

162

شهيد الأمة وشاهدها

الأخير من شهر شعبان كنّا في عزلة كاملة عن العالم ، فلا أخبار الناس تصل إلينا ، ولا أخبارنا تصل إليهم ، وكأنّنا أحياء دُفِنّا في قبر كبير . كان يؤنسنا المذياع ، نستمع إلى أخباره ، وكانت تسرّنا أبواق السيارات ، فنسعد بها ؛ لأنّنا نشعر بأنّنا قرب العالم ، وكان صوت أُمّ تنادي ولدها أو صراخ طفل يصل إلى مسامعنا يؤنسنا غاية الانس ، وكان دويّ المخبز الملاصق للمنزل أحلى من أيّ لحن ، هكذا يشعر الإنسان إذا وضع في قفص خانق . بداية الاتّصال وبدأت لنا أوّل صلة بخارج البيت في اليوم الأخير من شهر شعبان حينما صعدت إلى سطح المنزل ، ووقفت في زاوية منه بحيث لا تراني أجهزة المراقبة ولا عيون الأمن مترقّباً هلال شهر رمضان المبارك ، فرأيت سماحة الأخ حجّة الإسلام والمسلمين السيّد عبد العزيز الحكيم حفظه الله « 1 » ، وكان هو أيضاً قد صعد إلى السطح مترصّداً الهلال . وبما أنّ المسافة بعيدة - نسبيّاً - بين دار السيّد الشهيد وداره ، كان تفاهمنا عبارة عن إشارات باليد ، بعضها كانت مفهومة والأخرى غير مفهومة ، ولكنّ الشيء الذي اتّفقنا عليه من خلال الإشارات أن نلتقي في اليوم التالي في نفس الوقت . وهكذا بدأت لنا أوّل صلة بالعالم من خلال هذا الطريق بعد عزلة تامّة استمرّت ما يقرب من خمسين يوماً . وفي اليوم الثاني صعدت إلى السطح ، فرأيته من بعيد يشير إليّ بإشارات ،

--> ( 1 ) كان لسماحته دور بطولي وفدائي في خدمة السيد الشهيد ؛ فمن اليوم الأخير من شهر شعبان وحتّى نهاية الحجز كان أهمّ حلقة توصل السيّد بخارج البيت ، والمنفّذ الحكيم لكلّ ما كان يطلبه السيّد الشهيد ، رغم احتمال أن يؤدّي به الأمر إلى أن يضحّي بنفسه وعائلته في أيّ لحظة .